الأحد، 25 أكتوبر، 2009

الفصل الثاني النظرية المحاسبية

الفصل الثاني
الفكر المحاسبي بين النظرية والتطبيق
تبين لنا من الفصل السابق أهمية التأصيل العلمي مهنيا وأكاديميا لتطوير النظرية المحاسبية ، كما تبين أيضاً أن بناء النظرية المحاسبية ليس هدفاً في حد ذاته ، وإنما وسيلة لضبط وترشيد الممارسات، كما أنه من الخطأ الاعتقاد بأن تنظيم الممارسات العملية يأتي دائماً بعد الانتهاء من تطوير وبناء النظريات ، وذلك لأن عملية البحث العلمي اللازمة للتطوير هي عملية مستمرة وغير محددة بالفترة الزمنية، كما أن هناك مشكلات تطبيقية لا تحتمل التأجيل حتى يتم استكمال البناء الفكري للنظرية ، لذلك فإن كثيراً ما يتم وضع معايير للمحاسبة بناء على اعتبارات عملية، كما أنه في المقابل يتم الانتقال من النظرية إلي التطبيق من خلال المعايير التي تمكن الممارسين من توحيد الممارسات المحاسبية، وعليه يمكن القول بأن بناءوتنظيم السياسة المحاسبية يجب أن يسير جنباً إلي جنب مع عملية تطوير بناء النظرية، وسنحاول في هذا الفصل مناقشة الموضوعات التالية:
1. محاولات بناء النظرية .
2. تنظيم السياسة المحاسبية .
3. معايير التطبيق العملي .
4. توحيد التطبيقات المحاسبية.
أولاً: محاولات بناء النظرية المحاسبية
كان الاهتمام بنظرية المحاسبة في بدايـة الأمر يعتمد بصورة مطلقة على المنهج العملي ( PRAGMATIC ) وهو المنهج الذي يقوم على التطبيق العملي ، إلا أنه ومع بداية القرن العشرين اتجه الاهتمام نحو الاعتماد على أصول ومناهج البحث العلمي لبناء النظرية .

أ-محاولات الباحثين والرواد : -
قام الباحث ( WILLIAM PATON ) صاحب أول محاولة عملية لبناء النظرية سنة(1916) وقد اتبع المنهج الاستنباطي في تحديد فروض المحاسبة وهي :
§ فرض الوحدة المحاسبية ( THE ACCOUNTING ENTITY ) .
§ فرض الاستمرارية (GOING CONCERN ) .
§ فرض معادلة الميزانية (EQUALITY OF ASSETS AND LIABILIES ) .
§ قائمة المركز المالي وعدم تغير وحدة القياس ( STATEMENT OF FINANCIAL CONDITION AND UNCHANGING MEASURING UNIT ) .
§ التصاق أو تتبع التكلفة (COAST ATTACH ) .
§ استحقاق المصروفات وتحقيق الايرادات أو الأرباح ( A CCRUAL OF EXPENSES AND REALIZATHIN REVENUE OR PROFIT كما تناول الاستاذ JOHN CANNING) ) من جامعة كاليفورينا الفكر المحاسبي من خلال النظرية الاقتصادية وحاول تطويع المناهج الاقتصادية للاستخدامات المحاسبية .

كما كان للفكر الاقتصادي الخاص بالأستاذ فيشر (FISHER ) أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورينا أكبر أثر على البحوث المحاسبية .
ومن الشخصيات البارزة أيضاً الأستاذ (مونتجمري) الذي حاول بناء نظرية للمراجعة والأستاذ (ستيفن جيلمان) الذي كان لمجهوداته أثر وافر على كثير من المفاهيم المحاسبية وبصفة خاصة مفهوم الدخل المحاسبي ، كما كان من أهم الرواد في محال بناء النظرية المحاسبية، الأستاذ (ليتلثون) الذي أصدر مؤلفة بعنوان هيكل نظرية المحاسبة، وفي عام 1940 نشر مؤلف مشترك للأستاذين باتون وليتلثون كان بمثابة علامة بارزة في تاريخ الفكر المحاسبي، وقد جاءت الفروض المحاسبية في هذا المؤلف على النحو التالي :-
§ الوحدة المحاسبية .
§ الاستمرارية .
§ اعتبارات القياس .
§ تتبع أو التصاق التكلفة .
§ المجهودات والأداء .
§ دليل موضوعي قابل للتحقق .

ب- جهود جمعية المحاسبين الأمريكية
AAA (AMERICAN ACCOUNTIN ASSOCICATION ) :
وهي جمعية علمية تضم أكاديميين في مجال البحث العلمي في ا لجامعات وقد أعتمدت بحوث هذه الجمعية في البداية على خاصيتين أساسيتين هما الأسلوب الاستنباطي في البحث العلمي ثم الفكر السائد في النظرية الاقتصادية .
وقد أصدرت الجمعية تقريرها عام 1957 وعرفت الإيراد على أنه القيمة الاجمالية للإنتاج الذي يتم تصريفه خلال فترة، وأن الأصول هي إجمالي الخدمات المتوقع الاستفادة منها مستقبلاً ، وأن المصروفات والخسائر هي تكاليف تم استنفاذها خلال فترة ، وأن حقوق الملكية هي الحقوق المتبقية في أصول الوحدة المحاسبية ، وجاء في التقرير أيضاً أربع فروض أساسية في المحاسبة هي فرض الوحدة المحاسبية، وفرض الاستمرارية ، وفرض القياس النقدي، وفرض التحقق .
وقد تلا هذا التقرير تقريرين آخرين مكملين له أحدهما خاص بتقويم المخزون والآخر خاص بتقويم الأصول المعمرة .
وفي عام 1964 قامت الجمعية بتعيين لجنة بهدف بناء وتطوير نظرية للمحاسبة، وأصدرت تقريرها عام 1966 بعنوان النظرية الاساسية للمحاسبة جاء فيه تحديداً لكل من: -
1. أهداف المحاسبة (OBJECTIVES OF ACCOUNTING ) .
2. معايير للمعلومات المحاسبية ( STANDARS OF ACCOUNTIN INFORMATION ) .
3. إرشادات لعملية توصيل المعلومات ( GUIDELINES FOR COMMUCITAITING ) .

وقد جاءت أهداف المحاسبة في هذا التقرير مرتبطة باحتياجات مستخدمي التقارير المالية مما يعتبر أول تحول في البحث المحاسبي اتجاه النفعية بحيث تغطي كل من الاستخدامات الخارجية التقليدية للمحاسبة المالية ، والاستخدامات الإدارية الداخلية ، كما أكد التقرير على قدرة المعاملات المحاسبية في التنبؤ وأهميتها في مجال اتخاذ القرارات ، وفيما يتعلق بالمعايير فقد أكد التقرير أنها تمثل الأساس لتقييم جودة المعلومات من خلال المعايير الآتية : -
§ معيار الملاءمة (RALEVENCE ) .
§ معيار القابلية للتحقق ( VERIFIABILITY ).
§ معيار التحرر من التحيز ( FREEDOM FROM BIAS ) .
§ معيار القابلية للقياس الكمي (QUANTIFLABILITY ) .

ويلاحظ أن هذا التقرير يمثل نقطة تحول جوهرية في أسلوب صياغة النظرية حيث أن خرج عن الاتجاهات التقليدية من ناحيتين:-
الأولي:- لم يحصر التقرير اهتماماته بمشاكل تحديد و قياس عناصر الدخل كما كان يحدث في السابق. الثانية أن التقرير قد خرج عن الاهتمام التقليدي بتحديد الفروض والمبادئ العلمية واتجه نحو تحديد الأهداف والمفاهيم باعتبار أنها تمثل الإطار المفاهيمي (CONCEPTUAL FRAMEWORK ) الذي تبني عليه الفروض والمبادئ.

وفي عام 1977 أصدرت الجمعية تقريراً بعنوان نظرية المحاسبة تعرضت فيه إلي مناهج مختلفة لبناء النظرية وهي:-
1. المنهج التقليدي الي يركز على مشاكل تحديد وقياس الدخل.
2. منهج اتخاذ القرارات وفيه يتم التركيز على احتياجات مستخدمي التقارير المالية .
3. منهج اقتصاديات المعلومات ويهدف في البحث عن تحديد التكاليف والمنافع المرتبطة بإنتاج استخدام المعلومات المحاسبية .

ج- جهود مجمع المحاسبين الأمريكي (AICPA).
بدأ المجمع الامريكي للمحاسبين القانونيين جهوده في إطار وضع نظرية للمحاسبة عام 1958 من خلال تنظيم جديد يتعلق بالنشاط البحثي والاخر يتعلق بتأسيس مجلس المبادئ المحاسبية بهدف تكثيف جهود البحث العلمي من ناحية وتوجيه الممارسات المهنية وتضييق شقة الخلاف في التطبيق العلمي .
وفي عام 1961م صدرت أول دراسة بحثية حول الفروض المحاسبية كما يلي : -
1- فروض تتعلق بالبيئة المحاسبية وتشمل :
§ التعبير الكمي QUANTIFICATION
§ التبادل EXGHANGE
§ الوحدات المحاسبة ENTITIES
§ الفترات المحاسبية TIME PERIOD
§ وحدة القياس UNIT OF MEASURE
2- فروض تتعلق بالمجال المحاسبي وتشمل :
§ القوائم المالية FINANCIAL STATEMENT
§ أسعار السوق MARKET PRICES
§ الشخصية المعنوية ENTITIES
§ عدم التأكد (التقريب) TENTATIVENSS

3- فروض واجبة :
a. الاستمرارية CONTINITY
b. الموضوعية OBJECTIVITY
c. الثبات ( التجانس ) CONSISTENCY
d. وحدة القياس الثابتة STABLE UNIT
e. الإفصاح DISCIOSURE

وفي عام 1962 تم اصدار (8) مبادئ محاسبية إستناداً إلي تلك الفروض هي :
1. يتولد الربح نتيجة لكافة أنشطة المشروع ، ولا يعزي لمرحلة معينة أو نشاط معين .
2. يجب تبويب التغير في موارد الوحدة الاقتصادية إلي :
Ø تلك الناتجة عن التغير في المستوي العام للأسعار .
Ø تلك الناتجة عن التغير في التكلفة الاستبدالية للموارد .
Ø تلك الناتجة عن المبيعات أو الاعتراف بصافي القيمة البيعية للموارد .
Ø تلك الناتجة عن أسباب أخرى .
3. يجب إثبات كافة أصول المشروع بغض النظر عن مصدر التمويل أو كيفية الحصول عليه.
4. أن تكلفة قياس الأصول ( التسعير والتقويم ) هي عبارة عن الخدمات المستقبلية لهذه الأصول ، وتتضمن اختيار أساس أو طريقة لتسعيرها من بين البدائل التالية :-
v أسعار التبادل الجارية (التكلفة الاستبدالية) .
v أسعار التبادل المستقبلية (أسعار البيع المتوقعة) .
v أسعار التبادل الماضية (التكلفة الأصلية) .
وترتيباً على ما سبق يتم تكوين الأصول المختلفة على النحو التالي :
v الأصول النقدية تقوم على أساس القيمة الحالية ( PRESENT VALUE ).
v المخزون السلعي يقوم على أساس صافي القيمة البيعية (NET REALIZABLE VALUE ) .
v الآلات والمعدات تقوم على أساس التكلفة الاستبدالية (CURRENT REPLACEMENT COST) .
v تستهلك الأصول الثابتة على مدي العمر الإنتاجي .
v الأصول المعنوية تقوم على أساس التكلفة التاريخية مع تعديلها بالتغير في القوة الشرائية للنقود .
v يجب إثبات كافة الخصوم ويتم تقويمها على أساس القيمة الحالية للمدفوعات المستقبلية.
v الالتزامات التي يتم الوفاء بها عيناً تقوم على أساس السعر المتفق عليه للسلعة ويتم الاعتراف بالأرباح عند إتمام الإنتاج أو تقديم السلعة .
v يتم تبويب حقوق المساهمين إلي رأس مال مستثمر وأرباح محتجزة .
v يجب أن توضح قائمة نتائج الأعمال مكونات الربح الخاص بالفترة وتمثل الايرادت والمصروفات والمكاسب والخسائر .

هذا وقد أثارت هذه المحاولات عدة انتقادات أهمها :-
1. عدم الاتساق المنطقي إذ أن بعض الفروض تعتمد على بعضها البعض فمثلاً يلاحظ أن فروض المجموعة الثانية يمكن استخلاصها من فروض ا لمجموعة الثانية .
2. عدم الترابط بين الفروض والمبادئ إذ أن المبدأ الأول الخاص بتحقق الإيرادات لا يمكن إرجاعه لأي من الفروض في الدراسة الأولي.
3. عدم اكتمال الفروض إذ أن مجموعة الفروض المذكورة لا تستبعد احتمال التوصل إلي مبادئ مخالفة تماماً لمجموعة المبادئ التي تم التوصل إليها .
4. عدم الاتفاق مع أصول نظرية القياس إذ أن المبادئ العلمية تتيح قياس خواص مختلفة لعناصر الأصول المختلفة .
5. عدم تحديد الأهداف حيث لم يتم التعرض تشكل جاد لمشكلة تحديد الأهداف وبالتالي تم تجاهل مشكلة عدم تجانس احتياجات مستخدمي القوائم المالية ،
6. وفي عام 1970م صدر عن مجمع المحاسبين الأمريكيين دراسة استقرائية جديدة كانت أشمل من سابقتها وقد جاءت فروضها في صورة تحديد للبيئة المحاسبية على النحو التالي :
أ‌. تستخدم المعلومات المحاسبية من قبل مستخدمين متعددين ولتحقيق أهداف مختلفة .
ب‌. أن معظم مستخدمي القوائم المالية لهم احتياجات مشتركة من المعلومات المحاسبية .
ت‌. يعتمد معظم النشاط الانتاجي على القطاع الخاص .
ث‌. تقوم كافة المجتمعات بعملية الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك والادخار.
ج‌. تعمل الاقتصاديات المعاصرة في ظل إطار من القانون والعادات والتقاليد الأمر الذي يحكم إلي حد كبير وجود المشروعات والحقوق والإلتزامات التعاقدية .

ويبدو واضحاً مما سبق أن هذه المحاولة كانت لتطويع بعض المفاهيم الاقتصادية وربطها بالمفاهيم المحاسبية .
وبالإضافة إلي ذلك فقد أوردت الدراسة مجموعة من الخصائص الأساسية للمحاسبة المالية ، وكذلك مجموعة من العناصر الأساسية للمحاسبة كما يلي : -
الخصائص الأساسية للمحاسبة
العناصر الأساسية للمحاسبة
1- الوحدة المحاسبية
1- الأصول
2- استمرارية المشروع
2- الخصوم
3- قياس ا لموارد والالتزامات الاقتصادية
3- حقوق الملكية
4- الفترات الزمنية
4- الإيرادات
5- القياس النقدي
5- المصروفات
6- أساس الاستحقاق
6-صافي الدخل ( الخسارة )
7- الأسعار التبادلية أساس القياس

8- التقريب
9- أهمية الاجتهاد الشخصي
10- القوائم المالية ذات الغرض العام
11- الترابط بين القوائم المالية ونظام القيد المزدوج
12- تغليب الجوهر على الشكل
13- الأهمية النسبية

* ويلاحظ على هذه القائمة أنها عبارة عن تجميع للأفكار المحاسبية التي تتضمنها الدراسات والبحوث السابقة، وأن مكوناتها تفتقر إلي الترابط المنطقي فيما بين عناصرها ، وفيما بين العناصر والأهداف، ويعود عدم وجود هذا الترابط إلي الأسلوب الذي اعتمدته هذه الدراسة والذي لا يقوم على مناهج البحث العلمي المعروفة .

* وفما يتعلق بالمبادئ التي وردت في الدراسة فقد تم تحديدها أيضاً عن طريق الحصر وليس عن طريق الاستدلال المنطقي ( استنباطياً كان أم إستقرائياً )، وهي :-
v مبادئ أساسية. FUNDAMENNTAL PRINCIPLES
v مبادئ عامة. BROAD OPERATING PRINCIPLES
v مبادئ تفصيلية. DETAILED PPRINCIPLES
وقد حددت الدراسة المبادئ الأساسية في ستة مبادئ هي : -
1. يتم إثبات الأصول والخصوم على أساس أسعار التبادل السائدة وقت إجراء التبادل .

2. يتم إثبات الإيرادات إذا تحقق ما يلي :-
* عند إتمام عملية اكتساب الإيراد .
* عند إتمام عملية التبادل .
3. بعض التكاليف يتم إثباتها كمصروفات على أساس الربط المباشر بينها وبين الإيرادات (مقابلة الإيرادات بالمصروفات) .
4. في حالة عدم وجود علاقة سببية ، فإن بعض التكاليف يتم إثباتها كمصروفات باستخدام طرق توزيع وتخصيص منظمة ومنطقية .
5. يتم إثبات بعض التكاليف كمصروفات تخص الفترة لأن هذه التكاليف لا تحوي أي خدمات مقبلة، أو لأنه لا يوجد طريقة منطقية يتم على أساسها توزيعها على الفترات التالية .
6. تستخدم وحدة النقد كأساس للقياس ، وأي تغيرات في القوة الشرائية للنقود غير قابلة للإثبات محاسبياً .

كذلك أشارت الدراسة إلي استخدام طريقة الوارد أخيراً صادر أولاً،وطريقة الاستهلاك المعجل كمحاولات لتغطية أثر التغير في القوة الشرائية للنقود.
وقد تعرضت هذه الدراسة لعدة انتقادات كانت تدور حول نقطة رئيسية واحدة هي أنها لا تمثل إطاراً فكرياً متماسكاً يمكن استخدامه كأساس لتطوير وبناء النظرية .

لقد كانت هذه الدراسة من جانب المجمع هي أخر محاولة تم القيام بها بهدف تحديد الفروض والمبادئ المحاسبية على أساس علمي ، حيث تحول اهتمام المجمع بعد ذلك نحو تحديد الأهداف والمفاهيم ووضعها ضمن إطار مفاهيم المحاسبة باعتبار أن ذلك هو الأساس الذي يتم التوصل في ضوئه إلي الفروض والمبادئ العلمية، بالإضافة إلي استخدامه في التوصل إلي معايير التطبيق العملي اللازمة لحل المشكلات العاجلة التي تواجهها المهنة وفي تنظيم السياسات المحاسبية .

ثانياً : تنظيم السياسة المحاسبية
* مفهوم السياسة المحاسبية:-
هي مجموعة أدوات التطبيق التي تستخدمها المنشأة في إنتاج وتوصيل المعلومات المالية، وأدوات التطبيق العملي هي القواعد والأسس والطرق والإجراءات التي يستعين بها المحاسب لتطبيق المبادئ المحاسبية وبيان كيفية معالجة البنود والعمليات والأحداث .
لقد تجمع لدي المحاسبين عبر التاريخ رصيد ضخم من أدوات التطبيق العملي وفقاً لظروف الحال وأصبح لدي المنشآت المختلفة قواعد وطرق محاسبية مختلفة، فمثلاً بالنسبة لأسس احتساب أقساط الإهلاك قد تستخدم طريقة القسط الثابت بالنسبة للعقارات كما تستخدم طريقة الإنتاج بالنسبة للآلات، وفي نفس الوقت قد تستخدم طريقة إعادة التقدير بالنسبة للعدد والأدوات.

إن تحديد السياسة المحاسبية يجب أن تخضع لضوابط عدة أهمها توافر خاصية الثبات بين الفترات المختلفة تحقيقاً لفائدة المعلومات المحاسبية، والاعتماد عليها في عقد المقارنات الزمانية، وازدياد القدرة على التنبؤ، ومن الطبيعي أن الثبات في السياسة المحاسبية ليس مطلقاً بسبب تغير الظروف المحيطة بالمنشأة إلا أنه يجب على المحاسب أن يتأكد من أن التغير في السياسة المحاسبية يجب أن يوفر معلومات أكثر دقة وأكثر نفعاً في مجال التنبؤ واتخاذ القرارات، لذلك نجد أن معظم التشريعات المحاسبية لا تكتفي بالمطالبة بالإفصاح عن السياسات المحاسبية المطبقة بل تطالب أيضاً بضرورة الإفصاح عن أي تغير يحدث في هذه السياسة وأثره على القوائم المالية للمنشأة .

إن القاعدة العامة في تحديد معالم السياسة المحاسبية هي أن تأتي أدوات التطبق العملي ملائمة بقدر الإمكان لظروف الحال وطبيعة نشاط المنشأة، ولتطبيق هذه القاعدة ينبغي على إدارة المنشأة الاسترشاد بالإعتبارات التالية: -
1. الحيطة والحذر "الحرص" CONVERSATION OR PRUDENCE
2. تغليب الجوهر على الشكل SUBSTANCE RATHER THAN FORM
3. الأهمية النسبية MATERIALITY

وتعد الاعتبارات المذكورة نوعا من القيود التي تحكم عملية وضع السياسة المحاسبية فالنسبة للخاصية الأولي فهي تمثل الاتجاه التقليدي للمحاسبة عند المفاضلة بين الطرق المحاسبية البديلة، وكمثال على ذلك ما ذهب إليه المعيار رقم (2) الصادر عن لجنة المعايير المحاسبية البريطانية الذي ينص على أنه وفي وجود تعارض بين أساس الاستحقاق وبين خاصيته التحفظ عند تطبيق مبدأ مقابلة الإيرادات بالمصروفات فإنه يجب تغليب التحفظ على أساس الاستحقاق .

أما بالنسبة للقيد الثاني فإنه يجب اختيار القواعد المحاسبية التي تتفق مع الجوهر وليس مجرد الشكل القانوني أو التنظيمي، فمثلاً إذا كانت عملية انضمام شركتين تمثل في واقع الأمر سيطرة إحداهما على الأخرى، فإن هذه العملية تعتبر عملية شراء وليس توحيداً للمصالح بصرف النظر عن الطبيعة القانونية أو التنظيمية التي تمت بها عملية الانضمام، ومثال آخر في العقود الايجارية طويلة الأجل فإذا كان عقد الإيجار يغطي أكثر من (90%) من العمر الإنتاجي للأصل فإن هذا التعاقد يمثل في جوهره شراء تأجيلي ويتعين إظهار أثر ذلك على عناصر الأصول والخصوم، وفيما يتعلق بخاصية الأهمية النسبية فهي تعتبر الأهم في تحديد معالم السياسة المحاسبية ، ولعل أكبر دليل على ذلك هو أن معظم المعايير المحاسبية تأتي مذيلة بعبارة هذا المعيار لا يلزم تطبيقه في حالة العناصر التي ليست لها أهمية نسبية ، فمثلاً نجد أن كثيراً من المصروفات الرأسمالية يمكن معالجتها كمصروف إيرادي، نظراً لأن قيمتها لا تبرر عملية التوزيع والتخصيص على الفترات المتبقية ،فهذا المبدأ يعتبر تطبيقاً لمبدأ اقتصاديات المعلومات .
إن العمل بالاعتبارات الثلاثة تترك للإدارة مجالاً واسعاً للتأثير على السياسة المحاسبية الخاصة بالمنشأة.

· مدي الحاجة إلي تنظيم السياسة المحاسبية:
· آراء المعارضين للتدخل الخارجي لتنظيم السياسة المحاسبية:
يثور الخلاف حول مدي الحاجة إلي التدخل الخارجي في مجال تحديد ورسم السياسة المحاسبية الخاصة بالمنشأة، إلا أن الرأي الغالب في هذا الاتجاه يعتمد على نقطة جوهرية مؤداها أن إدارة المنشآت لديها دائما الحافز الذاتي الذي يدفعها بصفة مستمرة لإختيار أفضل السياسات المحاسبية التي تلائمها دون تدخل خارجي ، والحجج التي يعتمد عليها هذا الرأي هي : -
1. نظرية الوكالة AGENCY THEORY : وهي إحدي النظريات في علم الاقتصاد الذي يستخدم كأساس للتنبؤ بسلوك الأطراف داخل التنظيم، وتعتمد النظرية على العلاقات القانونية (التعاقدية) التي يتحكم أطراف عقد الوكالة وهي الوكيل والموكل، وفيه يلتزم الوكيل بتمثيل ورعاية مصالح الموكل، وعلى ذلك يتم النظر إلي المنشأة على أنها مجموعة علاقات قائمة مثل علاقة الإدارة بالعاملين، علاقة الإدارة بأصحاب الأموال المستثمرة، علاقة المساهمين بالمراجع الخارجي .
ومن الطبيعي أن يسعي كل طرف من أطراف عقد الوكالة إلي تحقيق أقصي قدر ممكن من المنفعة لصالحة، وقد تتفق هذه المصالح كما قد تتعارض في أمور اخري، فقد يسعي الملاك إلي تعظيم العائد على استثماراتهم ، بينما تسعي الإدارة بالإضافة إلي الإثابة المالية إلى تأكيد سيطرتها وحريتها في اتخاذ القرارات وتوفير علاقات طيبة مع العاملين إلي غير ذلك من الاعتبارات غير المالية .
ونظراً لاحتمالات التعارض فإن أصحاب رأس المال في حاجة إلي متابعة ومراقبة مدي التزام الإدارة (الوكيل) بالمتطلبات التي يقتضيها عقد الوكالة، وأن أكثر الوسائل المستخدمة والشائعة في هذا المجال هي مطالبة المراجعين الخارجيين بالتقارير المحاسبية الدورية عن الأداء، وفي المقابل نجد أن من مصلحة الإدارة اكتساب ثقة أصحاب الأموال، وتجنب أي سوء تفاهم قد ينشأ بينهم وذلك عن طريق اتخاذ مجموعة من التدابير التي تعطي الاطمئنان لأصحاب الأموال كذلك فإن الإدارة تتصرف بما يحقق أهدافهم ومصالحهم، ومن الأمثلة الشائعة على ذلك تطبيق نظام رقابة داخلية وخارجية ، التأمين على ممتلكات المنشأة، وضع حدود قصوى للاتفاق ومراقبته في شكل موازنات ، ونتيجة لذلك سوف يترتب على المنشأة تكاليف الوكالة ويمكن حصرها فيما يلي :-
1. تكاليف من جانب الموكل لرقابة ومتابعة تصرفات وقرارات الوكيل .
2. تكاليف من جانب الوكيل تتعلق برعايته لمصالح الموكل.
3. تكاليف أخري متمثلة في سلبيات ناتجة عن قرارات مخالفة لوجهة نظر الموكل.

وبناء على ما سبق يتضح أن تكاليف الوكالة تؤثر على مصالح كل من الوكيل والموكل، وإنه من مصلحة كل منهما ضغط هذه التكاليف عند حدها الأدنى ، وإن الوسيلة التي تثبت فاعليتها في هذا المجال هي تقديم تقارير محاسبية وافية وصحيحة ومؤيدة بشهادة المراجع الخارجي .
ومما سبق يتبين أن نظرية الوكالة تتطلب قيام الإدارة بواجباتها نحو إتباع أفضل السياسات المحاسبية الملائمة التي تؤدي إلي توفير تقارير دورية وافية عن أداء المنشأة، وتطور أعمالها ومدى كفاءتها وتكون الإدارة معتمدة من مراجع خارجي مستقل .

2. نظرية كفاءة السوق: -
يقصد بكفاءة السوق MARKET EFFECIENCY أن سوق الأوراق المالية يتميز بالقدرة على استيعاب المعلومات المالية المتاحة من مصادرها المختلفة والاستفادة منها في تحويل أسعار الأسهم والسندات المتداولة، والافتراض الأساسي في هذه النظرية أن سوق الأوراق المالية يستجيب بسرعة وبدقة للمعلومات المتاحة، وتأتي هذه الاستجابة نتيجة وجود عدد من المستثمرين على وعي وإدراك كامل بدلالة الأرقام المحاسبية التي تظهرها القوائم المالية، وبالتالي إدراك أثر الطرق المحاسبية البديلة على هذه الأرقام .
واستناداً إلي ما سبق فإن من أهم النتائج المحاسبية التي يترتب على نظرية كفاءة السوق أنه لا يمكن خداع السوق بالاختلافات الناتجة عن استخدام طرق محاسبية بديلة ، أو الناتجة عن التغير فيها خلال الفترات المحاسبية، وأن كل ما يحتاجه مستخدم القوائم المالية هو الإفصاح الكافي عن معالم السياسة المحاسبية المتبعة وأي تغيير قد يحدث فيها، ولتحقيق ذلك يجب أن تتاح للمنشآت الحرية الكافية لرسم وتحديد سياساتها المحاسبية التي تتلاءم مع ظروف المال وطبيعة النشاط .
وبالتالي نستطيع أن نخلص أن التدخل الخارجي لتنظيم سياسة المحاسبية لن يضيف شيئاً لكفاءة السوق، بل أنه سيكون على حساب مدي ملاءمة المعلومات نتيجة فقدانها المرونة اللازمة في رسم سياستها المحاسبية التي تناسبها .

ومن ناحية أخري فإن نظرية كفاءة السوق تلعب دوراً بارزاً في التأثير على توجيه وتخصيص الموارد على مجالات النشاط البديلة، فمن المعروف أن هناك ندرة نسبية في مقدار رأس المال الذي يقبل مخاطر الاستثمار ، وبذلك نتوقع وجود تنافس بين المنشآت لجذب أكبر قدر ممكن من هذا المال، وإن ذلك لن يتحقق إلا إذا كان توفرت الثقة في المنشآت وفي تقاريرها المالية، الأمر الذي سيؤدي أيضاً إلي تخفيض درجة المخاطرة ويدفع المستثمرين إلي قبول تخفيض المعدل الذي يطلبونه على استثماراتهم ، إضافة إلي ذلك فإن التنافس حول مصادر التمويل في سوق رأس المال سوف يمثل ضغطاً على كافة المنشآت لإتباع سياسة محاسبية ملائمة وتوفير نظام تقارير واف حول أداء المنشآت ، لأن عدم توفر الإفصاح الكافي عن الأداء المالي سوف يفسر في هذه الحالة على أنه تستر عن المشاكل التي تعاني منها المنشأة مما يعجل بفشلها وخروجها من السوق، وهكذا يتبين أن الاعتبارات التنافسية في سوق رأس المال سوف تشكل ضغطاً لتحسين وتطوير نظم التقارير المالية ، وبالتالي فإنه ليس هناك حاجة للتدخل الخارجي لتنظيم السياسة المحاسبية على مستوي المجتمع .

3. توفير المعلومات بالاتفاق المباشر :
ينظر البعض إلي أن التدخل الرسمي لتنظيم السياسة المحاسبية على مستوي المجتمع لن يحل المشكلة لأنه يستحيل إعداد تقارير مالية تفي بكافة متطلبات مستخدمي القوائم المالية على اختلاف طوائفهم، وأن الحل العملي لهذه المشكلة لا يكمن في إصدار معايير منظمة للسياسة المحاسبية على مستوي المجتمع، وإنما يمكن لأصحاب المصلحة الحصول على البيانات والمعلومات المحاسبية التي يرغبونها عن طريق الاتصال المباشر، ومن أمثلة ذلك ما تطلبه البنوك من معلومات بشكل خاص من المنشآت لأغراض منح الائتمان ، كما أن تبادل المعلومات والنشرات المالية التي يتم تبادلها في الأسواق المالية هي مثال حي على تبادل المعلومات على أسس اقتصادية .
وبناء على ما سبق فإن النظر إلي التقارير المالية من هذه الزاوية سوف يقلل من احتياجات المجتمع المالي إلي التدخل الرسمي لتنظيم السياسة المحاسبية .

* آراء المؤيدين للتدخل الخارجي لتنظيم السياسة المحاسبية:-
يتم التنظيم المحاسبي للسياسات المحاسبية عن طريق التدخل الرسمي بغرض تحديد المعالم الرئيسية التي يتعين مراعاتها من قبل المنشآت عند تحديد سياساتها المحاسبية، فتنظيم السياسة المحاسبية هو نوع من التدخل الخارجي بالنسبة لإدارة المنشآت لضمان حد أدني من التوحيد للممارسات المحاسبية على مستوي المجتمع بهدف زيادة منفعة المعلومات المحاسبية في مجالات التطبيق المختلفة، لذلك فإنه يلزم مراعاة خاصيتين أساسيتين هما خاصية الملاءمة وخاصية الثقة .

q خاصية الملاءمة RELEVENCY :
بمعني أن تكون المعلومات قادرة على التأثير في عملية اتخاذ القرار بجانب أن تكون ذات قدرة تنبؤية يمكن الاستفادة منها في اتخاذ القرار .

q خاصية الثقة RELIABILITY :
بمعني إمكانية الاعتماد على المعلومات المحاسبية في التعبير بصدق عن حقيقة الأحداث والعمليات مع التحقق منها بأدلة إثبات موضوعية .
ويعتمد أنصار التنظيم المحاسبي للسياسة المحاسبية على الحجج الآتية :-
1) ظاهرة الملكية الغائبة :
نظراً لانفصال الملكية عن الإدارة في معظم التنظيمات الاقتصادية المعاصرة فإنه من المتوقع أن تأتي عملية اختيار السياسة المحاسبية متأثرة بالأهداف الذاتية للإدارة حتى لو كان ذلك على حساب صدق التعبير عن نتائج الأحداث والعمليات والظروف الاقتصادية، وفيما يلي بعض الوسائل الشائعة التي يمكن أن تمارسها الإدارة للتحكم في نوعية وكمية المعلومات:-




* التأثير على قائمة الدخل :
حيث تستطيع الإدارة التأثير على أرقام الدخل من خلال بعض الممارسات المحاسبية لتحقيق أهداف كثيرة مثل التأثير على الضرائب ، اكتساب ثقة المساهمين، الأمر الذي قد ينطوي على نوع من طمس الحقائق أو إخفائها عن أصحاب الشأن.

* التأثير على المركز المالي :-
قد تلجا الإدارة إلي اتخاذ قرارات للتأثير على عناصر ا لمركز المالي كأن تعمد إلي سداد قدر كبير من الخصوم المتداولة عند نهاية السنة المالية وذلك بغرض التأثير على رأس المال العامل، أو تأجيل إجراء توسعات أو عدم استبدال أصول في الوقت المناسب حتى تتجنب تأثير ذلك على الربحية، أو القيام بتدبير مصادر تمويل من خارج الميزانية كما في حالة تأجير الأصول الثابتة بدلاً من شرائها ، أو القيام بعملية بيع صورية لجزء كبير من المخزون مع الاتفاق على إعادة شرائه ، كما قد تلجأ الإدارة إلي تغيير السياسة المحاسبية بمجرد الرغبة في إظهار المركز المالي في صورة مختلفة عما كانت عليه سواء سلباً أو إيجاباً .

* تكوين الاحتىاطيات السرية :-
ويتم ذلك عن طريق إتباع أنماط معينة في توزيع التكاليف والإيرادات بين الفترات المحاسبية المتعاقبة ، ومثال ذلك المغالاة في احتساب أعباء الإهلاك ، التخفيض المتعمد في قيمة بعض الأصول ، تأخير الاعتراف بالإيرادات ، وهذه الاحتياطيات غالبا ما تلجأ إليها الإدارة في مجال تحسين الربحية أو تقليل الخسائر أو إجراء توزيعات على المساهمين وصرف مكافآت للفريق الإداري لا تستند على نتائج أعمال فعلية .

2- احتمال فشل السوق :-
سبق أن أوردنا أن تنظيم السياسة المحاسبية على مستوي المجتمع على أساس كفاءة السوق سوق يتحقق بصورة تلقائية دون ما حاجة غلي اي تدخل خارجي ، إلا أن البعض يرى أن هناك اعتبارات كثيرة تؤدي إلي فشل السوق في تحقيق هذا الهدف وهي: -

أ. المنشأة هي منتج محتكر للمعلومات المحاسبية :
يري أصحاب هذا الرأي أن المنشأة في الوقع العملي تستطيع أن تحتكر المعلومات المحاسبية التي تقدمها سواء من حيث كمية هذه المعلومات أو نوعيتها أو في شكل الإفصاح الذي تقدمه حول تلك المعلومات، كما أن حصول بعض الأطراف على المعلومات الإضافية التي يحتاجونها عن طريق الاتصال أو التعاقد المباشر لا يعتبر أمراً هيناً أو يسيراً في جميع الأحول، ومن ناحية أخري أن اللجوء إلي الطرق الخاصة أو الجانبية للحصول على المعلومات اللازمة بغرض تحقيق السبق في الاستفادة من هذه المعلومات يمثل أحد صور السوق السوداء التي تعكس فشل أو عدم كفاءة سوق المعلومات المحاسبية، إن مثل هذه الأوضاع تؤدي إلي القول بأن كفاءة السوق ما هي إلا أمر افتراضي وليس عملي .

ب. انخفاض مستوي التقارير المحاسبية :
يدافع أصحاب هذا الرأي عن الحاجة إلي التدخل الرسمي لضمان الإفصاح الكافي بصورة رسمية من خلال وجود وتطبيق معايير تحدد كمية ونوعية وضوابط هذا الإفصاح في التقارير المالية، فقد يتحقق الإفصاح الطوعي من قبل المنشأة ولكن التنظيم المحاسبي يهدف إلى أكثر مما قد تفصح عنه المنشأة تطوعياً من حيث نوعية المعلومات المطلوب الإفصاح عنها .
إن الرأي الذي ينادي بعدم التنظيم يفترض وجود إطار فكري متماسك للمحاسبة، في حين أن الوضع الحالي للمحاسبة يعاني من نواحي قصور كثيرة قد تفسح المجال للإدارة لإخفاء بعض التناقضات التي ربما تكون موجودة في عقد الوكالة، وهذا مؤداه انخفاض مستوي التقارير المالية وفقدان الثقة في المعلومات المحاسبية مما يترتب عليه فشل السوق في تحقيق التوازن .

ج. المعلومات المحاسبية لها خاصية السلع العامة:
هناك سبب أخر يؤدي إلي فشل القوي التنافسية في السوق مما يضعف من كفاءته هو خاصية المعلومات المحاسبية التي يمكن تشبيهها بالسلعة العامة، فالسلعة العامة هي السلعة التي إذا تم توفيرها (إنتاجها) فإن استفادة البعض منها لا يؤثر على فرص استفادة الآخرين من نفس السلعة، ومن أمثلة هذه السلعة البرامج التلفزيونية، والإذاعية، والمجلات والجرائد، حيث أن استفادة البعض منها لا يمنع نقلها أو تحويلها للآخرين للاستفادة منها ، فالخاصية المميزة لهذه السلع هي وجود ما يسمي بحقوق الملكية المتساهلة SOFT PROERTY RIGHTS لمنتجي هذه السلع في مواجهة المستهلكين وذلك على عكس منتجي السلع العادية، ويعتبر أصحاب هذا الرأي المعلومات المحاسبية من قبيل السلع العامة، حيث يمكن لأي شخص صاحب مصلحة الاستفادة من هذه المعلومات ونقلها للآخرين دون قيد، مما يعني فشل قوي السوق في تحقيق التوازن، وبالتالي فهناك حاجة إلي وجود تنظيم حماسي لتنظيم عملية الإفصاح ويحدد كميته ونوعيته.

3- الأهداف الاجتماعية :-
يذكر أصحاب هذا الرأي أن تحقيق الأهداف الاجتماعية التي تخدم المجتمع ككل يتطلب وجود تنظيم محاسبي يستطيع أن يحقق التوازن من وجهة نظر كافة المتعاملين المجتمع معاً وليس توازناً من وجهة نظر معينة يسعى إليها المستثمرين، فقد يتحقق التوازن بما لا يخدم الصالح العام ولا القيم الاجتماعية السائدة، من ناحية أخري فقد يؤدي غياب التنظيم للسياسة المحاسبية إلي عدم عدالة الإفصاح المحاسبي وبالتالي افتقار السوق إلى ما يعرف بتماثل المعلومات INFORMATION SYMMETRY ، لأن غياب هذه العدالة يؤدي إلي استفادة البعض دون البعض الآخر .
مما سبق يتبين أن تنظيم السياسة المحاسبية سوف يؤدي إلي الارتقاء بمخرجات النظام المحاسبي وبما يحقق عائداً اجتماعياً صافياً .
إن تنظيم السياسة المحاسبية يتطلب منا مواجهة معضلتين أساسيتين هما :-
1. احتمال إصدار معايير تؤدي إلي المبالغة في إنتاج معلومات محاسبية بأكثر من الاحتياجات الفعلية، وذلك لعدم إمكانية تحديد حجم الطلب الحقيقي على هذه المعلومات
2. احتمال استفادة بعض فئات المجتمع على حساب البعض الآخر ، وذلك لعدم تحميل كل منتفع بالتكلفة الفعلية التي يستخدمها .

كما وان تنظيم السياسة المحاسبية له بعد آخر على مستوي المجتمع يتعلق بالآثار الاقتصادية التي يمكن أن تخلفها، وقد سبق الإشارة إلي أن تنظيم السياسة يؤدي إلي حسن توزيع وإدارة الموارد الاقتصادية للمجتمع، إلا أنه يلزم أيضاً دراسة البعد الاقتصادي المناوئ الذي يمكن أن يحدث نتيجة اندفاع المنشآت إلي هذا السلوك المناوئ كرد فعل عندما يتم وضع معيار معين، فمثلاً قد يستوجب أحد المعايير المنظمة للمهنة معالجة بعض أوجه الإنفاق على أنه مصروف إيرادي بينما طبيعة المصروف تسمح بمعالجته على أنه مصروف إيرادي مؤجل أو مصروف رأسمالي في حالات معينة، والمثال الشائع على ذلك هو معالجة تكاليف البحث والتطوير واستكشاف الموارد الطبيعية، فمن الواضح أن معالجة هذه النفقات على أنها نفقات إيراديه سوف يترتب عليه تحميل الفترة المحاسبية التي تم فيها الإنفاق بقدر كبير من المصروفات، الأمر الذي يظهر المنشآت بشكل غير ناجح ، وهو ما قد يدفع إدارتها إلي الحد من تلك الأنشطة التطويرية أو تأجيلها بقدر الإمكان .

وبالإضافة إلي ما سبق هناك أيضاً أبعاد أخري للتنظيم المحاسبي غير الأبعاد الاقتصادية هي أبعاد تتعلق بالأطراف التي تتأثر بعملية التنظيم المحاسبي وهما :-
1.المنشأة ممثلة في إدارتها حيث يقع عليها مسؤولية إعداد وتوصيل التقارير المالية .
2.المراجع الخارجي (مهنة المحاسبة والمراجعة) حيث تقع مسؤولية التحقق من مدي اتفاق التقارير المالية مع المبادئ المحاسبية المتعارف عليها .
3.المستخدمون الخارجيين للتقارير المالية (المستثمرين، المحللين الماليين، الموردين، العملاء، الحكومة، المجتمع ككل ) باعتبار أن قراراتهم تعتمد كثيراً على المعلومات التي تشملها هذه التقارير .
وغالباً ما تتعارض اهتمامات هذه المجموعات كما يتبين مما يلي :-
* اهتمامات الإدارة :
وتتمثل دائرة هذه الاهتمامات في اعتبارات تتعلق باقتصاديات إنتاج المعلومات وأثر الإفصاح على مصالح الإدارة وعلى وضع المنشأة التنافسي في السوق ، لذلك نتوقع أن تعارض إدارة المنشأة أي معايير محاسبية من شأنها إضافة أعباء كبيرة في عملية إنتاج وتوزيع المعلومات ،ولكن ذلك قد يلقى ترحيباً من قبل إدارة المنشأة إذا كانت تلك المعايير ستؤدي إلي إظهار نتائج الأعمال بصورة أفضل.

*اهتمامات مهنة المحاسبة والمراجعة:
تتمثل دائرة هذه الاهتمامات في توقع معارضة منفذي المهنة لأي معايير من شأنها إلقاء مسؤوليات جديدة على المراجع الخارجي وبصفة خاصة تلك المعايير التي تتطلب مراجعة عمليات وأنشطة غير تقليدية، ومن الأمثلة الشائعة للمعايير التي قد لا تلقي تأييداً من مهنة المحاسبة والمراجعة نجدها في المعايير التي تتطلب الإفصاح عن تقديرات الموازنة وخطط الإدارة المستقبلية ، ولا شك أن تطبيق مثل هذه المعايير سوف يترتب علىها الإفصاح عن معلومات يصعب إقامة الدليل الموضوعي لتوثيق هذه المعلومات، كما أنها تؤدي إلى اتساع نطاق مسؤولية المراجع الخارجي، وبالتالي تعرضه لمخاطر مهنية أكثر ولمساءلة أكثر من قبل مستخدمي التقارير المالية .
* اهتمامات مستخدمي القوائم والتقارير المالية :
وتتمثل دائرة هذه الاهتمامات في مطالباتها بالتوسع في الإفصاح بقدر الامكان ، وذلك حتى يمكن تغطية كافة الاحتياجات، خاصة أن مستخدمي هذه التقارير لا يتحملون بصورة مباشرة تكاليف هذا الإفصاح المتزايد .
وبناءً على ما سبق نجد أنه على الجهاز المسئول عن ونضع وتنظيم السياسة المحاسبية للمجتمع أن لا يتأثر بالمصالح الذاتية لأي من الفئات الثلاثة دون مراعاة لمصالح جميع الفئات معاً، أي بمعني عدم تغليب وجهة نظر معينة وباستمرار على حساب وجهات النظر الأخرى .

ثالثاً : معايير التطبيق العملي:-
يتبين مما سبق أهمية تنظيم السياسة المحاسبية على مستوي المجتمع، من خلال إصدار معايير التطبيق العملي الملائمة، هذه المعايير يجب أن تكون متسقة مع الإطار النظري، فلا بد من بذل كل عناية ممكنة في عملية الانتقال من النظرية إلي التطبيق من حيث مراعاة الاعتبارات البيئية والأعراف والاصطلاحات المحاسبية السائدة وفقاً لمنهج مدروس يراعي اعتبارات الفكر ومقتضيات الممارسة العملية .

* الخصائص الفكرية والعملية للمعايير :-
لا تعد النظرية هدفاً في حد ذاتها وإنما هي وسيلة لإحكام وترشيد التطبيق العملي ، وهو ما ينطبق تماماً على نظرية المحاسبة، فالمبادئ العلمية تمثل قمة الفكر في النظرية حيث تمثل الأحكام الأساسية العامة التي تحدد أفضل أسس القياس والعرض للأحداث والعمليات .
وفي المحاسبة تعتبر الخطوة التي تلي التوصل إلي المبادئ هي ترجمة هذه المبادئ إلي معايير للتطبيق العملي ، وهذه المعايير تمثل نماذج أو مستويات للأداء المحاسبي، وأنها ليست لمجرد الاسترشاد العام، وإنما هي تعبير عن موقف رسمي فيما يتعلق بكيفية تطبيق المبادئ ،الأمر الذي يجب أن تأتي كترجمة واعية لهذه المبادئ وبعد دراسة متأنية لأفضل الممارسات العملية لهـا.
تعتبر المبادئ العلمية هي مرحلة النضوج الفكري، وفي المحاسبة وعلى الرغم من تواجد مجموعة من الفروض والمبادئ المتعارف عليها، إلا أنه ليس هناك اتفاق تام حول مجموعة الفروض والمبادئ العلمية الأساسية، وإن المحاسبة لا زالت في مرحلة تكوين وتحديد ذلك الجزء من الفكر المحاسبي الذي يشمل الأهداف والمفاهيم الأساسية وهو ما يعرف بالإطار المفاهيمي للمحاسبة .
وآياً كانت مرحلة التطور الفكري للمحاسبة، فإن الأمر يتطلب ترجمة هذه المرحلة أولاً بأول في صورة معايير للتطبيق العملي، أي أنه لا يمكن الانتظار حتى يتم البناء الكامل للنظرية المحاسبية ، ثم نبدأ بعد ذلك في وضع المعايير المنظمة للتطبيق العملي ، وذلك لأن عملية البناء الفكري هي عملية مستمرة وتستغرق وقتاً طويلاً ، فالمعايير هي ترجمة مدروسة لمستوي الفكر المتاح والمتمثل في مجموعة المبادئ والأهداف والمفاهيم والفروض ،
والأمثلة التالية توضح كيفية الانتقال من النظرية إلي المعايير .
المستوي الفكري (النظرية)
المعيار (التطبيق العملي)
مفهوم الأصول
معيار المحاسبة عن العقود الإيجارية طويلة الأجل (الرأسمالية)
فرض الوحدة المحاسبية (الاقتصادية)
معيار القوائم المالية الموحدة.
مبدأ تحقق الإيراد
معيار المحاسبة عن عقود المقاولات طويلة الأجل
هدف ترشيد عملية اتخاذ القرار
معيار الإفصاح عن أجزاء من نشاط المنشأة مثلاً " خطوط الإنتاج الرئيسية )

إن الربط بين المعايير والنظرية هو أمر ضروري حتى تتحقق خاصية الاتساق المنطقي سواء بين المعايير نفسها وبين الفكر المحاسبي الذي يحكم عملية تطبيقها، كما يتعين أن تكون هذه المعايير ملائمة للظروف البيئية المحيطة (واقع التطبيق العملي) ، ومن الجدير بالملاحظة هنا أنه نظراً لتغير الظروف البيئية من وقت لآخر، فليس من المتوقع أن تتسم المعايير بصفة الثبات وعمومية الاستخدام، مما يجعلها أقل ثباتاً من المبادئ ، ويذهب البعض إلي أبعد من ذلك فقد نجد معايير للتطبيق في المشروعات التي تهدف إلي تحقيق الربح وأخري للمشروعات غير الهادفة إلي ذلك ، ولعل ابرز مثال على أثر الاعتبارات البيئية ما نجده في معايير المحاسبة عن ضرائب الدخل ، والمعايير الخاصة بمشروعات القطاع العام .

بالإضافة إلي ما سبق هناك اعتبارات فنية قد يكون لها تأثير على المعايير المحاسبية، على الرغم من عدم وجود أساس فكري أو مبرر بيئي ، وإنما هي مجرد اصطلاح أو تقليد محاسبي مثل ( تحديد الجانب الذي تثبت فيه العناصر المدينة ، والدائنة ، اختيار طرق الإهلاك، وطرق تسعير المنصرف من المخزون ) ، فإن هذه الطرق لا يمكن حسم الخلاف بشأنها استناداً إلي أسلوب البحث العلمي، وإنما تستوجب التدخل الرسمي من قبل الجهات المعنية.

ولعل مثال معالجة المنح الحكومية أكبر دليل يوضح لنا الأثر المحاسبي كمصدر من مصادر المعايير المحاسبية، فمن المعروف أن المنح الحكومية التي تعطي للوحدات لأجل تشجيع الاستثمار في الأصول الثابتة يمكن معالجتها بأحدي الطريقتين :-
1. جعل حساب الأصول مدينا بقيمة الإعانة وبالتالي تخفيض قيمته الدفترية .
2. تكوين احتياطي رأسمالي بقيمة الإعانة ، وتحويله إلي إيرادات دورية على مدي العمر الإنتاجي للأصل .
ويقدم أنصار كل طريقة حججاً كثيرة لتأييد موقفهم، فالأصل موجود بصرف النظر عن مصدر تمويله مما لا يدعو إلي تخفيض قيمته بمقدار الإعانة، ومن ناحية أخري يري البعض أن الإعانة لا ينطبق عليها مفهوم الإيراد الحقيقي لأنه لم يتم الحصول عليه مقابل نشاط حقيقي للمنشأة ، وعلى الرغم من الاختلاف في الطريقتين إلا أن كل منهما لها نفس التأثير على نتائج الأعمال .

بناءً على ما سبق يمكن أن نستخلص أن المعايير المحاسبية يتم بناؤها وتطويرها اعتماداً على ثلاثة مصادر رئيسية هي: ( النظرية – البيئة – العرف ) .
هذا وتمثل النظرية المصدر الأساس والدائم لمهمة بناء المعايير، أما العوامل البيئية فهي التي تعطي المعايير الصبغة العملية لتكون ملائمة للظروف والاعتبارات المكانية والزمنية، أما العرف فله تأثير بالنسبة لنوع معين من المعايير وهو ما يعرف بالمعايير الإجرائية وهي المعايير المتعلقة بضبط النواحي الفنية لعملية تشغيل البيانات وعرض المعلومات .

* تجربة تنظيم عملية وضع وإصدار المعايير :-
للجانب التنظيمي المتعلق بوضع وإصدار المعايير ثلاثة أبعاد هي :
1. تشكيل الجهاز الذي يتولى مهمة بناء وإصدار المعايير .
2. أسلوب العمل أو المراحل التي يمر بها كل معيار قبل إصداره .
3. المنهج المتبع في بناء المعايير.

ولشرح هذه الأبعاد نتعرض للتجربة الأمريكية باعتبارها عملاً رائداً في هذا المجال :-
قبل عام 1930م كانت المحاسبة غير خاضعة لأي صورة من صور التنظيم المهني ، وكانت السياسة المحاسبية سراً من أسرار الوحدة المحاسبية، وكانت التقارير المحاسبية غير قابلة للمقارنة ، ونتيجة لهذه الفوضي في الممارسات المحاسبية وما صاحبها من إنهيار سوق الأوراق المالية، طالبت هيئة تداول الأوراق المالية ( SEC ) SECURITIES EXCHANGE COMMISSION بالعمل على تطوير مبادئ ومعايير لمهنة المحاسبة وإصدار بيان رسمي ملزم لكافة الوحدات المحاسبية، وفي حالة فشل المهنة فإن هذه الهيئة سوف تتدخل لتفرض ما تراه مناسباً من مبادئ ومعايير .

v في عام 1933م قام مجمع المحاسبين الأمريكي (AICPA ) يتكوين لجنة للإجراءات المحاسبية حيث تمكنت من إصدار 42 نشرة جاءت جميعها معبرة عن رأي اللجنة في معالجة المشاكل المحاسبية التي تم دراستها .

v خلال الفترة من عام 1953م إلي 1959م أصدرت اللجنة 8 نشرات أخري ليصبح مجموع ما قامت بإصداره نحو 50 نشرة ، ورغم هذا العمل فقد وجهت إليها انتقادات كثيرة أهمها عدم الاعتماد على منهج شامل ومتكامل في وضع وتحديد المعايير فالأسلوب الذي كان متبعاً هو عبارة عن مجرد مواجهة للمشاكل التي تثار أولاً بأول دون وجود تصور كامل للمشاكل المحاسبية التي يتعين دراستها .

v نتيجة لذلك قام المجمع الأمريكي بإيقاف عمل اللجنة وأنشأ محلها مجلس المبادئ المحاسبين ( ABP ) ( ACCOUNTING PRINCIPLE BEARD ) ، يهدف التوصل إلي مجموعة الفروض والمبادئ المحاسبية اعتماداً على أسلوب البحث العلمي وبصفة خاصة الأسلوب الاستنباطي ، وقد قام المجلس بإصدار مجموعة كبيرة من البحوث في مجالات الفكر المحاسبي كان أهمها الدراسة رقم (1) عن الفروض الأساسية في المحاسبة، الدراسة رقم (3) عن المبادئ المحاسبية، كما أصدر المجلس (31) رأياً حول المشكلات المحاسبية المختلفة.

v ورغم ذلك لم يسلم المجلس المذكور من الانتقاد فوجه إلي إسلوب عمله هجوماً لاذعاً واتهم أنه لم يخرج في جوهره عن أسلوب إطفاء الحرائق بسبب خضوعه لضغوط خارجية من قبل مكاتب المحاسبة الأساسية في الولايات المتحدة ،ومن قبل هيئة تداول الأوراق المالية كما أن توصياته لم تكن تعرض للمناقشة بشكل كاف قبل إصدارها .

v وفي عــام 1973م أنشـــأ المجمــع مجلس معايير المحاسبة الماليـة ( FASB ) ( FINANCIAL ACCOUNTING STANDARS BOARD ) روعي في تنظيمه الأبعاد الثلاثة المذكورة سابقاً وهي التشكيل، أسلوب العمل ، المنهج، .
ومن حيث التشكيل روعي أن يضم المجلس ست تنظيمات هي :-
- جمعية المحاسبين الأمريكيين ( AAA ) ( AMERICAN ACCOUNTIN ASSOCIATION ) .
- مجمع المحاسبين القانونيين الأمريكي (AICPA ) ( AMERICAN INSTITUTE OF CERTIFIED PUBLIC ACCOUNTANTS ) .
- اتحاد المحللين الماليين (FAF) (FINANCIAL ANALYS FOUNDATION ).
- معهد المديرين الماليين (FAI) (FINANCIAL EXECUTIVE INSTITUTE).
- الجمعية الوطنية للمحاسبين (NAA) (NATIONAL ASSOCIATION ACCOUNTING ).
- جمعية الأوراق المالية (SIA) (SECURITIES INDUSTRY ASSOCIATIO ).

وتحدد المهمة الرئيسية للجمعية التأسيسية المنبثقة عن هذا التنظيم في تعيين أعضاء مجلس معايير المحاسبة المالية وعددهم سبعة أعضاء، أربعة منهم محاسبين قانونيين، وثلاثة من ذوى الخبرة في شئون المحاسبة والتمويل ، ويعتمد المجلس على لجنة استشارية مكونة من ثلاثين عضواً يتم تعيينهم وتمويلهم من قبل الجمعية التأسيسية ، وأما عن أسلوب العمل المبتع فيتكون من ثلاثة خطوات : -
1. تعيين فريق عمل بحثي لكل مشروع مقترح بناء على توصيات اللجنة الاستشارية، ويقوم هذا الفريق بإعداد مذكرة مناقشة تتناول الموضوعات والقضايا المتعلقة بالمعيار المقترح والبدائل الممكنة وتوزع هذه المذكرة على أكبر عدد ممكن من الأطراف المعنية الداخلة ضمن القاعدة الأساسية لغرض إبداء الرأي بوجهة نظرها حول المذكرة .

2. عقد جلسة استماع (PUPLIC HEARING ) لمناقشة الردود حيث يتم في ضوءها استبعاد المشروع أو إعداد مسودة أولية لمشروع المعيار المقترح ويتم توزيعه على الأطراف المعنية لإبداء الرأي بشأنه .

3. بناء على الردود الكتابية التي ترد إلي المجلس يتم إدخال التعديلات اللازمة على المسودة الأولية للمعيار ويطبق بشأنها الإجراءات السابقة، ثم يجري التصويت على الصياغة النهائية للموافقة.

ويلاحظ على أسلوب العمل السابق توفير الضوابط اللازمة لتحقيق استقلالية مجلس المعايير وحمايته من الوقوع تحت تأثير جماعات الضغط والسيطرة من قبل مكاتب المحاسبة كما يتم إشراك كافة الأطراف المعنية بعملية التنظيم المحا سبي ، ومما لا شك فيه أن هذا الأسلوب سيؤدي إلي بذل العناية المهنية الواجبة ( DUE PROCESS ) مما يجعلها تكتسب صفة الواقعية والصفة الشرعية ثم القبول العام .

وحول ما سبق فمن الواضح أن غياب النظرية المحاسبية كان أمراً واضحاً عند صدور التكليف لمجلس معايير المحاسبة فبدلاً من تكليفه بمهمة تحديد الفروض والمبادئ العلمية نجد أن المهمة الرئيسية التي وكلت للمجلس كانت ذات شقين :
1. تكوين الإطار المفاهيمي لنظرية المحاسبة CONCEPTUAL FRAMEWORD
2. إصدار معايير التطبيق العملي ACCOUNTING STANDARS

وقد أصدر المجلس العديد من التقارير المتعلقة بالإطار المفاهيمي لنظرية المحاسبة والمعايير المتعلقة بالتطبيق العملي التي سنتناولها بالدراسة في المراحل القادمة .
وفيما يتعلق بالنقطة الأخيرة الخاصة بالمنهج الذي ابتعه المجلس في أدائه للمهام المكلف بها فإنه يلاحظ إتباعه للمنهج الاستنباطي للوصول إلي الإطار المفاهيمي للنظرية، في حين نجد أن إصدار المعايير قد غلبت علىه الصيغة الاستقرائية حيث تم استخدام المنهجين كما يلي :
1. المنهج الاستقرائي حيث يقوم فريق العمل بالآتي :-
أ‌- تحديد الموضوعات التي يلزم إعداد المعايير بشأنها .
ب‌- استقراء الممارسات التي تستخدم في التطبيق العملي .
ج‌- دراسة وتقييم هذه الممارسات لتحديد أفضلها .

2. المنهج الاستنباطي : حيث يقوم فريق العمل بالمهام الآتية :-
أ‌- تحديد أهداف التقارير المالية .
ب‌- تحديد قواعد الاستنتاج التي سوف تستخدم .
ج- تحديد الموضوعات المراد دراستها .
د- تطبيق قواعد الاستنتاج للوصول إلي المعايير التي تتسق مع الأهداف .
رابعاً : توحيد التطبيقات العملية:-

تبين لنا فيما سبق أن الغرض من تنظيم السياسة المحاسبية هو تحقيق حد أدني من التوحيد في مجال التطبيق العملي بهدف زيادة إمكانية الاعتماد على الأرقام المحاسبية في عقد المقارنات الزمانية والمكانية وزيادة فاعلية تلك التقارير في تقييم اتخاذ القرارات ويجب أن يكون معلوماً أن هناك فرقا بين التوحيد والثبات فليس المقصود بالتوحيد أن يكون هناك ثبات مطلق في المعالجات المحاسبية لنفس الأحداث والظروف دون مراعاة لأثر تلك الاختلافات .
إن عدم مراعاة اختلاف الظروف والأوضاع يجعل الأرقام المحاسبية غير قابلة للمقارنة مما يفقدها أحد الخصائص الأساسية الهامة في مجال اتخاذ القرارات وعليه فإن المفهوم العلمي للتوحيد في مجال المحاسبة قد يتطلب منا معالجات محاسبية مختلفة لنفس الحدث أو العملية تبعاً لاختلاف الظروف والأوضاع المحيطة .

* مفاهيم التوحيد في مجال المحاسبة :
إن المفهوم العلمي للتوحيد في مجال المحاسبة يتطلب منا تحليل العمليات والأحداث من حيث كونها متشابهة أو غير متشابهة كما يتطلب تحديد أثر اختلاف الظروف والأوضاع المحيطة، فقد تكون الأحداث والعمليات من النوع البسيط أو المركب ، ويقصد بالأحداث والعمليات البسيطة هي تلك التي لا يترتب عليها آثار اقتصادية مختلفة باختلاف الظروف والأوضاع المحيطة وأن هذه الاختلافات ليست ذات أهمية نسبية تذكر ، وعلى ذلك يمكن معالجة الأحداث والعمليات البسيطة على أساس موحد في حالة اختلاف الظروف والأوضاع المحيطة ، ومن أمثلة ذلك : عمليات الشراء والبيع الآجل النقدي ، سداد الديون وتحصيل الذمم، الإقراض والاقتراض، وغير ذلك من عمليات التبادل العادية التي لا يترتب عليها نتائج اقتصادية متعددة، ومؤدي ذلك أن تكون المعالجات المحاسبية للعمليات والأحداث المتشابهة والبسيطة على أساس موحد بصرف النظر من اختلاف الظروف والأوضاع المحيطة، أي أن التطبيق العملي لهذه العمليات يكون مباشراً ولا يحتاج إلي اجتهاد أو تفسير ولعل ذلك ما يفسر لنا لجوء العديد من الدول إلي تطبيق هذا المفهوم على نطاق شامل بحيث يغطي كافة الوحدات التي تنتمي لقطاع معين وذلك كما هو النظام المحاسبي في الوحدات الإدارية الحكومية والنظام المحاسبي الموحد في جمهورية مصر العربية ، أما العمليات والأحداث المركبة فهي التي تختلف آثارها ونتائجها الاقتصادية باختلاف الظروف المحيطة مما تستوجب معالجات محاسبية مختلفة أي أن التوحيد المحاسبي لهذا النوع من العمليات لا يمكن أن يكون مطلقاً فعند معالجة العمليات والأحداث المركبة يتعين على المحاسب دراسة ظروف الحال وتحديد المعالجة المحاسبية الملائمة وفيما يلي أمثلة لهذه العمليات : -

1. استهلاك الأصول الثابتة : من المعلوم أن احتساب وتحديد طريقة استهلاك الأصول الثابتة يخضع لعدة عوامل أهما نمط وكثافة استخدام الوحدة المحاسبية لهذه الأصول ، سياسة الوحدة بالنسبة لأعمال الصيانة والتجديدات ، فلو كان في نية الإدارة مثلاً الاستخدام المكثف لهذه الأصول فإن استخدام طريقة الاستهلاك المعجل يكون مناسباً .

2. نشاط البحث والتطوير : إن دراسة ظروف الحال بالنسبة لنشاط البحث والتطوير قد يسفر عن اتباع إحدى البدائل المحاسبية التالية: -
معالجتها على أنها خسائر في حالة خلوها من أي منافع حالية أو مستقبلية، معالجتها كمصروفات إدارية إذا اقتصرت منافعها على الفترة الحالية، معالجتها كمصروفات رأسمالية إذا تضمنت منافع متوقعة مستقبلية .

3. الاستثمار في الأوراق المالية : تتعدد المعالجات المحاسبية مع تعدد الظروف المحيطة

فالاستثمارات المؤقتة تقوم على أساس التكلفة أو السوق أيهما أقل وهي الاستثمارات التي تقل نسبتها عن 20% من رأس مال الشركة المستثمر فيها والقابلة للتداول ، وأن الإدارة قد قامت بشرائها بقصد بيعها في الأجل القصير .

أما الاستثمارات الدائمة فهي الاستثمارات التي لا تنوي الإدارة إعادة بيعها في الأجل القصير وإذا كان حجمها أقل من 20% فتقوم على أساس التكلفة أو السوق أيهما أقل ، أما إذا بلغت 20% ولا تزيد عن 50% فتقوم على أساس حقوق الملكية أما إذا زادت عن 50% فتقوم أيضاً على أساس حقوق الملكية، إلا في حالة واحدة وهي حالة كون الشركة التابعة داخلة ضمن القوائم المالية الموحدة للمجموعة حيث يكون في هذه الحالة الوحدة المحاسبية حرية الاختيار بين طريقة التكلفة أو حقوق الملكية كأساس للإثبات في الدفاتر والإفصاح في ا لقوائم المالية، أي أن الاختيار في حالة الاستثمار بأكثر من 50% مشروط بأن تصدر الشركة المستثمرة (الأم) قوائم مالية موحدة ، وفي حالة عدم إعداد القوائم المالية الموحدة للشركة الأم والشركات التابعة لها فإنه يجب في هذه الحالة أن يتم تقويم الاستثمارات الدائمة التي تزيد عن 50% وفقاً لطريقة حقوق الملكية .

4. عقود الإيجار طويلة الأجل : وهي العقود التي تستخدم حالياً كبديل لشـــراء وتملك الأصول الإنتاجية وهي عبارة عن اتفاق بين مؤجر ( Lessor ) ومستأجر ( Lessee ) ، يمنح بموجبه المؤجر حق استخدام الأصل للمستأجر مقابل مبلغ نقدي يدفع دورياً خلال فترة معينة .
وتعد هذه العقود في جوهرها عملية تمويل رأسمالية يمنحها المؤجر إلي المستأجر وبالتالي فإن المعالجة المحاسبية لهذه العقود أن يتم رسملتها كأصل وقرض طويل الأجل في دفاتر المستأجر ، وأن يقوم المؤجر في نفس الوقت بإزالة تكلفة الأصل من قائمة مركزه المالي ، ويوجد حالات كثيرة تختلط فيها عقود الإيجار التشغيلية ( Opearating leases ) مع عقود الإجارة الرأسمالية
( capital leases ) وبالتالي هناك حاجة إلي تحديد الظروف والأوضاع التي تساعد في تحديد طبيعة عقد الإجارة لغرض تحديد المعالجة المحاسبية المناسبة سواء كانت إيرادية أو رأسمالية .

طبقاً للمعيار رقم (13) الصادر عن مجلس المعايير المحاسبية الأمريكي يجب أن يتوفر شوط واحد على الأقل من الشروط التالية حتى يستطيع المستأجر القيام برسملة الأقساط المتفق عليها خلال العقد باعتباره عقداً رأسمالياً : -

1. أن ينص العقد على نقل ملكية الأصل إلي المستأجر بعد فترة .
2. أن يمنح العقد المستأجر حق شراء الأصل بسعر تحفيزي .
3. أن تساوي فترة العقد 75% أو أكثر من العمر الإنتاجي للأصل .
4. أن تكون القيمة الحالية للحد الأدنى من مدفوعات العقد مساوية لـ 90% أو أكثر من القيمة السوقية للأصل .

مما سبق نجد أن الأحداث والعمليات المركبة لا يناسبها المفهوم المطلق للتوحيد المحاسبي، فالتوحيد المحاسبي مشروط توافر ظروف ملائمة ومناسبة وهذا يستلزم دائما توصيف الظروف والأوضاع الملائمة لكل معالجة محاسبية .
ويعتمد تحديد الظروف على عناصر بيئية بعيدة عن سيطرة الإدارة ترتكز على قاعدتين رئيسيتين هما : -

v ألا يترتب على مراعاة هذه الظروف اختيار طريقة محاسبية تزيد تكاليفها عن الفوائد المتوقعة .
v ألا يترتب على مراعاة هذه الظروف اختيار طريقة محاسبة ينتج عنها معلومات محاسبة على درجة منخفضة من إمكانية التخفيض أو التثبت .

* الأثر المقارن لمفاهيم التوحيد :-
طبقاً لما سبق فإن هناك مفهومان للتوحيد :
أ. مفهوم مطلق وهو مفهوم لا يأخذ في الاعتبار اختلاف ظروف الحال عند توصيف المعالجة المحاسبية .
ب. توحيد مقيد وهو مفهوم يأخذ في الاعتبار اختلاف ظروف الحال عند وصيف المعالجة المحاسبية الواجب اتباعها أي أنه طبقاً لهذا المفهوم تختلف المعالجات المحاسبية مع أي اختلاف جوهري في ظروف الحال .
ومن الجدير بالدراسة مقارنة أثر كل من هذين المفهومين في المجالات التالية :-
1. أسس القياس والتقويم .
2. احتىاجات مستخدمي التقارير المالية.
3. جودة المعلومات المحاسبية .
4. وظيفة ومسئولية المراجع .
5. فرض كفاءة الأسواق المالية .
6. الإطار المفاهيمي لنظرية المحاسبة .

فيما يتعلق بأسس القياس والتقويم ، فإن المعالجة المحاسبية التي تقوم على أساس القيمة الجارية تتلاءم مع مفهوم التوحيد المقيد، في حين أن أساس التكلفة التاريخية يتلاءم مع مفهوم التوحيد المطلق، لأن تطبيق أساس القيمة الجارية يتطلب دراسة الظروف المحيطة باقتناء الأصول وكيفية استخدامها، أما فيما يتعلق باحتياجات مستخدمي القوائم المالية، نجد أن احتياجات هؤلاء المستخدمين متنوعة ولا توجد أرضية مشتركة تجمع كل الفئات والطوائف ، مما يستدعي في ظل هذه الظروف تطبيق منهج التوحيد المطلق ، وعلى العكس من ذلك فهناك فريق آخر ينادي بإمكانية تحديد احتياجات رئيسية مشتركة لمستخدمي التقارير المالية، مما يلزم استخدام التوحيد المقيد لمقابلة هذه الاحتياجات .

أما بالنسبة لجودة المعلومات المحاسبية والمتمثلة بصفة خاصة بمدي الصدق في التعبير عن الظواهر الاقتصادية وقابلية المعلومات للتحقق والإثبات ، فالتوحيد المطلق يحقق لنا خاصية القدرة على التحقق أو التثبت من سلامة المعلومات المحاسبية، في حين أن التوحيد المقيد يحقق لنا خاصية الصدق في تمثيل الحقائق الاقتصادية ، أي أن التوحيد المطلق سوف يترتب عليه استبعاد مجالات الاجتهاد والتقدير الشخصي مما ينتج عنه معلومات محاسبية أكثر فائدة في مجال تحديد المسؤولية التاريخية لإدارة المنشأة تجاه المحافظة على الموارد الاقتصادية الموكلة إليها، وفي المقابل فإن التوحيد المقيد يتلاءم بشكل أكثر مع الوظائف غير التقليدية للمحاسبة ، لأنه من خلال السماح باختلاف الطرق المحاسبية المطبقة وفقاً لظروف الواقع الاقتصادي ، فإن المعلومات المحاسبية الناتجة تكون أكثر ملاءمة في مجال تقييم واتخاذ القرارات وبالتالي كفاءة توزيع الموارد المتاحة.

وبالنسبة لأثر المفهومين على وظيفة ومسئولية المراجع فإن مفهوم التوحيد المقيد سوف يترتب عليه اتساع مسئولية المراجع، بحيث تشمل بجانب التحقق من سلامة الأرقام المحاسبية أهمية تحديد مدي ملاءمة المعالجات المحاسبية المتبعة للظروف والأوضاع المحيطة، مما يترتب عليه بطبيعة الحال ارتفاع تكاليف المراجعة التي تتحملها الوحدة المحاسبية ونطاق وأساليب عملية المراجعة .

أما بالنسبة لكفاءة سوق ا لأوراق المالية، نجد أن التوحيد المقيد يحقق الهدف المذكور حيث يعتبر أكثر ملاءمة لنوعية المعلومات المحاسبية التي تعبر تصدق على المخاطر المتعلقة ببدائل الاستثمار، أما إذا نظرنا إلي كفاءة السوق باعتبارها أحد الفروض، فإنه في هذه الحالة لا يمكن خداع السوق بالاختلافات الناتجة عن البدائل المحاسبية ،مما يعني أن المستثمر قادر على إجراء التحليلات والتقييمات السليمة للأرقام المحاسبية، إن كل ما يحتاجه المستثمر في ظل هذه الفرضية هو المزيد من الإفصاح من السياسات المحاسبية المطبقة .
وأخيراً نجد أن الإطار المفاهيمي لنظرية المحاسبة سوف يختلف مع اختلاف مفهوم التوحيد ، ففي ظل التوحيد المطلق لن يكون هناك حاجة لإطار مفاهيمي مفصل على عكس الحال بالنسبة للمفهوم المقيد حيث أن مفهوم التوحيد المقيد يلقي على الإطار المفاهيمي عبئاً إضافياً يتعلق لتجديد القواعد التي يمكن الاعتماد عليها في تحديد الظروف المحيطة التي تبرر إبتاع البدائل المحاسبية المحددة من حيث تحديد مجالات استخدام كل سياسة والأسس التي تستند إليها في ظل الظروف المحيطة .

* التوحيد المحاسبي في ظل التطبيق العملي : -
مما سبق تبين لنا أن هناك نموذجين مختلفين لتنظيم السياسة المحاسبية هما نموذج التوحيد المطلق الذي يلائم الأحداث والعمليات البسيطة التي لا تتعدد فيها النتائج الاقتصادية الناتجة عنها نتيجة لتعدد الظروف والأوضاع المحيطة .
أما نموذج التوحيد المقيد فيناسب العمليات والأحداث المركبة .

وعلى الرغم من ذلك فإن الواقع العملي يشير إلي أن هناك مواقف لا يمكن حسمها بهذه البساطة، وإنما تتطلب ما يعرف بمنهج المرونة، ومن أمثلة ذلك : -

1. طرق تقويم المخزون .
2. طرق حساب أقساط الإهلاك ( قسط ثابت، قسط متناقص، قسط إعادة التقدير)

وعادة ما يكون استخدام التوحيد المطلق في التطبيق العملي مبنياً على أحد الأسباب الآتية:
1. الرغبة في اتباع سياسة الحيطة والحذر من حيث استبعاد أي أرباح أو مكاسب لم تتحقق بصرف النظر عن مدي قوة الاحتمالات المصاحبة لها .
2. الرغبة في تحقيق أكبر قدر من الموضوعية والقدرة على التحقق والإثبات للقياسات المحاسبية حتى لو كان ذلك على حساب مدي ملائمة أو صدق هذه القياسات
3. الاعتقاد بأن تكاليف تطبيق مفهوم التوحيد المقيد سوف يؤدي إلي زيادة المنافع المتوقعة .
4. عدم قدرة منظمي السياسة المحاسبية على تحديد الظروف الملائمة بتطبيق أسس المحاسبة البديلة .
5. توخي سهولة تطبيق النظام المحاسبي .

وبناءً على ما سبق لا يمكن القول بأن الهدف من تنظيم السياسة المحاسبية للمجتمع والبحث عن الوضع الأمثل لن يحسم لنا كل المشاكل بشكل قاطع وللأبد، إن ما تهدف إليه المهنة والمهمتين بشؤونها هو البحث عن أقصي ما يمكن تحقيقه من ضبط للممارسات المحاسبة في ظل الظروف والقيود القائمة ، وإن التغير في البيئة المحاسبية يتطلب منا البحث باستمرار نحو التحديث سواء في مجال النظرية أو مجال التطبيق فهي عملية تطويرية Evolutionary وليست عملية ثورية Revolutionary .



‏ليست هناك تعليقات: